الجمعة، 22 مايو، 2015

الولاء قبل الكفاءة في القيادات الإدارية




الولاء قبل الكفاءة في القيادات الإدارية .

إن مصطلح الولاء لايقتصر على شريحة معينة من البشر إلا أنه يمكن أن يكون أكثر استخداماً في حالة المستويات الوظيفية ومجالات العمل المختلفة ناهيك عن أستخدامه في المجالات السياسية والإعلامية التي يستخدمها المتخصصون بالخطب الرنانة والتي يقصدون فيها التعبير عن مدى تمسك الفرد أوالسكان بوطنيتهم كدليل على رد الجميل للمكان الذي عاشو عليه وآواهم وحقق مصالحهم المعيشية .
وفي الحقيقة إن مصطلح الولاء يعني في مجال آخر نوع من الإخلاص والوفاء المطلق لولي الأمر مهما كان نوعه ، ففي منظمة معينة على سبيل المثال يلتزم عدد من الموظفين بحسن الأداء لغرض رد الإعتبار لمن وظفهم مادام يحتل منصباً قيادياً في هذه المنظمة ، على أنه نوع من الأخلاص والوفاء له كعرفان بالجميل ، والمحافظة على دوره ومستواه ، وبهذا فولائهم ليس للمنظمة أو تحقيق أهدافها ، بل لمن ضمن لهم العمل وحصولهم على الأمتيازات الوظيفية المتنوعة ، وهذا كله بالطبع بعيد عن مفاهيم توفر الكفاءة والمهارة في العمل  .
إن تغليب سلطة القرابة والصداقة والمحسوبية في إختيار العاملين دون الأعتماد على أسس الكفاءة كمعيار للإختيار سيؤدي الى تقهقر العمل وتخلف مقومات بناء المجتمع العادل ، إضافة الى العوامل السلبية التي سيضيفها هذا الأختيار السلبي الى مستقبل العمل فتثقل عجلته وتؤخرها بسبب نقص الكفاءة والمهارة .
إن الكفاءة ليست شيئاً من السهل الحصول عليه ، فهي مزيج سحري من التعب والجهد والخبرة وزمن طويل من المعايشة مع الأحداث ، كما إنها كم هائل من التجارب السلبية والإيجابية التي جمعت صاحبها بالتعامل مع العديد من المشاكل والعديد ممن يصنعها ، أو أنها المعرفة من خلال المواكبة لظروف العمل خطوة بخطوة حتى تحصل الخبرة المتراكمة نتيجة ذلك ، وهذا ما يتطلب وقتاً لتحقيقه ، فكم من الظلم إذاً تجاهل صاحب الخبرة والكفاءة ؟ وكيف يمكن تكوين الولاء الحقيقي في أشخاص تم أختيارهم منذ البداية على أسس غيرعادلة ؟
ويترائى لي بواقعية نوعان من الولاء الوظيفي هما ولاء حقيقي ، وولاء أعمى !!
إن الولاء الوظيفي الحقيقي في المؤسسات كان ثمرة جهود مضنية دأبت عليها الإدارات المختلفة لتحقيقه في سلوك العاملين ولا شك في أنها قد صرفت الكثير من الجهود والأموال لغرض تحقيقه في أنفس العاملين من أجل الغاية الكبرى وهي أهداف المؤسسة أو المنظمة وأنتشارها بالشكل المطلوب .
إن الولاء الحقيقي الذي يتحقق في العاملين على نطاق كل المستويات الإدارية أو القيادية في المنظمة ينتج عنه حصول المنظمة على ملاكات وظيفية قادرة على الأستمرار بالعمل وتنميته وتطويره رغم كل الظروف التي قد تمر بالمنظمة ، وهذا الولاء يقاس بمدى التضحية بالمكاسب المتحصلة وقابلية الصبر على بعض الأزمات التي تمر بها المنظمة ، إضافة الى الشيء المهم من هذا كله وهو مدى مقاومة المغريات والعروض التي تقدمها المنظمات المنافسة لغرض استقطاب القدرات الوظيفية والمهارات إليها من بقية المنظمات للأستفادة من خبراتها المتراكمة ومهاراتها الكفوءة في إدارة وتنفيذ الأعمال .
إن هذا الولاء الذي يصل الى هذه الدرجة من الرقي لا يمكن للمنظمة أن تحققه بسهولة فهو قد نتج بسبب جهود جبارة وذكاء إداري متميز ساعد على الحصول على هذا المستوى من ولاء العاملين وأول ذلك هو الأعتماد على الكفاءات منهم ، فالأحرى بالمنظمة الأهتمام بأصحاب الكفاءة والمهارة والإبداع ورعاية قدراتهم وتنميتها وبالتالي فإن الحصيلة الحاصلة من ولائهم للمنظمة سيكون كرد فعل ذو أمتداد مستقبلي قادر على الصمود ومقاومة رياح المغريات التنافسية التي تعرضها المنظمات الأخرى.
إن بناء وتأسيس المنظمة على أساس الولاء قبل الكفاءة لا يمكن أن يكون ذا مغزى خصوصاً في عالم أقتصادي متقلب ومنافس ، فما فائدة الولاء وحده فيما لو كانت قدرة العاملين محدودة وليس بينهم من يمتلك قابلية الإبداع وتكوين الخطط الداعمة لمسيرة الأنتاج .
إن أصحاب العقول الإدارية النيرة قادرين على أن يصنعوا الولاء في نفس كل العاملين معهم ، فمن خلال خطط إدارية ستراتيجية للموارد البشرية وتنميتها والمحافظة على أسس التحفيز والمكافأة لها يمكن للإدارة أن تصنع في العاملين ولاءاً يؤدي أغراضاً متعددة في آن واحد ليحقق أهداف المنظمة ويعزز قدراتها التنافسية وتطورها ونموها بالنسق الصحيح ، ويدفع بالعاملين على بذل الجهود بمستويات تصاعدية من الكفاءة والمهارة والإبداع .
كيف تصنع المنظمة الولاء في أنفس العاملين ؟
ليس بصعب على أية منظمة الأهتمام بعامليها وتلبية رغباتهم بما يعزز قدرتهم الوظيفية ، وهذه الرغبات لا تتعدى المعقول مما تتطلبه سبل الأحترام والتقدير في العمل إضافة الى متطلبات الحياة المعيشية والميل نحو تحقيق معيشة الرفاه أو حتى مستوى الكفاف المعقول لعائلة العامل أو الموظف ، إضافة الى إفساح المجال للعاملين لتطوير قابلياتهم ومكاسبهم الثقافية من خلال الدعم التدريبي والتعليم المستمر ، فما دامت المنظمة تحقق أرباحاً عالية ومادام العاملون يقدمون كل قدراتهم العقلية والبدنية بما يخدم نجاح وتحقيق أهداف منظمتهم فلم لا يحصلون على التحفيز المناسب وبما يقوي من عود ولائهم لمنظمتهم ، ويؤكد ديمومة وأستمرارية نجاح المنظمة في عملها وإنتاجها ؟
إن المطلع على كبرى المؤسسات العالمية واسعة الأنتشار سيجد أن ما تقدمه لموظفيها ضرباً من التدليل ، ولكنه عندما يطلع على حجم الأنتاج والأنتشار والأرباح سيجد ما تقدمه لهم متواضعا مقابل ذلك .
ومن أهم المجالات التي يمكن للمنظمة أستثمارها في طاقاتها البشرية لتعزيز حالة الولاء هي :
1.  تعزيز التعويضات غير المباشرة وهي التي يقصد بها كل ما تقدمه المنظمة للعاملين معها عدا التعويض المباشر ( الراتب ) ، وهي عبارة عن عدد من الخدمات والضمانات التي تساعد الموظف في حياته الوظيفية والمعيشية وتحقق له نوع من الراحة والأطمئنان على مستقبل عمله مع هذه المنظمة ، حيث سيشعر الموظف أن منظمته تسعى الى إرضاءه لأنه جزء مهم من بناءها وليس مجرد عدد معين فيها ، ومن أهم هذه التعويضات :
v    الراتب التقاعدي
v    برامج التأمين الصحي والأجتماعي والـتأمين ضد الحوادث وغيرها.
v    مكافئات المقترحات البناءة وخاصة عند تحسن الأداء والأنتاج .
v    برامج الخدمات الأجتماعية .
v    مشاريع الإسكان للموظفين .
v    برامج توفير الأجهزة المنزلية المدعومة .
v    برامج التسليف بدون فوائد .
v    ج- خدمات المواصلات للمنظمة .
v    برامج توفير دعم التعليم لأبناء العاملين وفرص تعليمية جامعية مجانية للمتفوقين منهم .
v    الخدمات الصحية المتنوعة .

  2. تحقيق العدالة الوظيفية بين العاملين في حصولهم على الترقيات ضمن نظام متكامل لا يحتوي على ثغرات ليستفيد منها بعضهم على حساب الآخرين .
  3. إلتزام المنظمة بتطوير القدرات الذهنية للعاملين من خلال حرصها عليهم قبل أنفسهم ، على اكتسابهم الدرجات العلمية العالية ، فتسعى الى ترشيح المتميزين منهم لأكمال الدراسات الأكاديمية ونيل الشهادات العليا .
   4. حرص المنظمة على تطبيق خطط التدريب والتطوير لمهارات العاملين ليحقق شقين أحدهما زيادة مهارة العاملين ، والشق الآخر هو تطوير المستوى الثقافي لهم في المجتمع ، فهم يمثلون المنظمة التي يعملون فيها .
   5. زيادة مستوى تحقيق العلاقات الإنسانية بين العاملين ومسؤوليهم بشكل مناسب وبما يكسر حاجز الفروقات الإجتماعية ، مما يعمل على تكوين الشعور بالعمل بروح العائلة الواحدة أو الفريق الواحد .
   6. التعامل الإيجابي لإدارة المنظمة مع العاملين فيها ، من ناحية التمسك بهم ، ومنحهم حقوقهم الكاملة و مساعدتهم في المحن والظروف الصعبة.
  7.  الأهتمام بتحقيق الرضا الوظيفي للعاملين ورفع مستوى الأمتيازات الوظيفية المقدمة للعاملين.
وتسعى المنظمة بتوطيد أواصر الولاء في نفوس العاملين معها بواسطة برامج مدروسة ومخططة وذلك لأنها عندما تفقد الولاء عند العاملين فإنها ستفقد أموراً عديدة منها على سبيل المثال :
1.     ستفقد أموال كثيرة صرفت على التدريب والتأهيل للعاملين السابقين بكافة مستوياتهم .
2.     ستفقد الكفاءة التي لا يمكن تعويضها بسهولة والتي استغرقت سنين للحصول على مستواها الحالي .
3.  سيكون خسارة في الوقت الذي استغرقته المنظمة لتدريب وتعليم عامليها وتعايشهم مع أعمالهم بشكل إندماجي مما يسبب تعلقهم فيه ومحاولاتهم تطويره وتحسين الأداء فيه لأنهم قد فهموه.
4.     سيزيد حجم الإنفاق اللازم لتعويض الكفاءات المهاجرة من المنظمة .
5.  طول الوقت الذي سيحتاجه العاملون الجدد لكي  يتفهموا العمل الجديد في المنظمة وقابليتهم على التطبع بسرعة لتحقيق المستوى الذي كان يعمل فيه من سبقه .
6.  خسارة بالعلاقات الأنسانية التي كونها الموظف الكفوء السابق مع بقية العاملين والتي من الأهمية بحيث يمكن إعتبارها عامل مهم في زيادة الإنتاج وتطويره .
7.  خسارة في بعض عناصر الميزة التنافسية التي كان يضيفها الموظف السابق الى المنظمة ومدى الفائدة التي سيضيفها الى المنظمة الجديدة إضافة الى العديد من الأفكار التطويرية للعمل من التي كان يستخدمها في المنظمة السابقة.
8.  عدم أستقرار الخطط والبرامج التطويرية للمنظمة ، حيث إن وضع خطة تطويرية معينة تحتاج الى نفس الشخص الذي صممها وواكب كل الخطوات التي تحتاجها الخطة وهي نتيجة استقرار ذهني ووظيفي .

لو أن المنظمة حسبت ذلك لكان أجدر فيها أن تضع دراسة مفادها ماذا لو فقدت الموظف الكفوء ؟؟ ووتقوم بحسبتها هذه بشكل حسابات جدوى حقيقية اقتصادية وإدارية ؟ وعندها ستراجع المنظمة قراراتها لعدة مرات قبل أن تقبل استقالة أحدهم .

إن الولاء بالنسبة للعاملين في المنظمة هو ذلك الإحساس بالإخلاص للمكان أو لرب العمل أو لشخص المنظمة أجمع والذي يقتضي وجوب تقديم أقصى الجهد بالعمل وتنفيذ التوجيهات بأقصى مايمكن من الإنجاز لتحقيق أهداف المنظمة ورفع مستوى قدرتها التنافسية وسمعتها مقابل الآخرين ، وهو شعور نفسي داخلي تكون نتيجة عوامل عديدة أهمها درجة الأنتماء التي يشعر بها الفرد باتجاه منظمته وعمله 
ويرتبط بالولاء عدة عوامل أخرى مشجعة لتقوية أواصره منها :
 1- احتواء المنظمة على إدارات قيادية ذات مستوى ثقافي عالي وتمتلك القدرة على التأثير في الآخرين بما يخدم العمل ويحقق طموح العاملين في تحقيق رغباتهم الشخصية الى جانب أدائهم لواجباتهم الوظيفية بكل مهارة وكفاءة .
2- رقي أهداف المنظمة ، وتختلف من منظمة الى أخرى فكلما كانت المنظمة تخطط بجدية لتحقيق أهداف واقعية في عالم التجارة أو الأعمال أو شتى المجالات كان ذلك دافعاً كبيرا لتمسك العاملين فيها بوظائفهم لأنهم يشهدون تقدمها واندماج أهدافها مع الواقع.
3- مدى احترام وتقدير العاملين لأهداف المنظمة ، فليس من الممكن أن يتقدم العاملون بأعمالهم بمستوى مهاري معين إلا عندما يحبون العمل الذي يؤدونه والذي يكون بمجموع حصيلته محاولة تحقيق أهداف المنظمة .
4- ضعف مستوى أهداف المنظمات المنافسة بالمقارنة مع أصالة أهداف المنظمة ، حيث يعتبر هذا العامل عنصراً إيجابياً في زيادة مستوى الأداء للعاملين ورفع كفائتهم.
5- العامل النفسي المرتبط بطول فترة الخدمة في المنظمة مع عدم وجود مشاكل أو إخفاقات بل  بالعكس.
كما يظهر ولاء العاملين للمنظمة من خلال عدة مظاهر منها :
1- احترام المنظمة وإدارتها وبذل أقصى الجهود لتحقيق رضاهم والمتمثل بالسعي الحثيث لتحقيق أهداف المنظمة .
2- استعداد العاملين للتضحية بالوقت والجهد الإضافي لغرض الوقوف مع المنظمة في محنة معينة أو لتحقيق هدف تنافسي معين يعمل على رفع شأن المنظمة ويحسن من سمعتها أمام الآخرين .
3- رفع الكفاءة الوظيفية وتكاتف الجهود والمحافظة على أسرار العمل والدفاع عن سمعة المنظمة .
4- الأستعداد الدائم لتطوير الذات وبما يخدم الطرفين المنظمة والعاملين .

وعندما تتحقق حالة الولاء من قبل العاملين لمنظمتهم فإن إدارة المنظمة لابد من قيامها بتوجيه وإعطاء بعض الأمتيازات للعاملين وخصوصاً عند تحقيق النجاح وذلك كردود أفعال لولائهم لها ووقوفهم بكل إخلاص مع المنظمة لتجاوز الأزمات الصعبة .
إن المنظمة التي تضع لنفسها برنامجاً واضحاً في العمل هي التي تعمل في البداية على أن تحافظ بأي شكل من الأشكال على العاملين أصحاب الكفاءة والمهارة فيها لأنهم في الحقيقة هم من يشعرون بالإنتماء والولاء للمنظمة التي يعملون فيها قبل غيرهم ، لأن كفائتهم ومهاراتهم في العمل تحقق لهم هذا الولاء من خلال تطويرهم للعمل وبراعتهم في إنجاح السبل التي تحقق أهداف المنظمة خلال تاريخهم الوظيفي فيها وبالتالي فهم قد شهدوا كل النجاحات والتفوقات التي كانو سببا فيها ، وشهدت لهم المنظمة ( المنطقية ) بذلك النجاح ولم تفوت أية فرصة لتذكيرهم أنهم جزء من نجاحها ، ولم تضيع الفرص لمكافئتهم وتكريمهم أمام الآخرين وربما من خلال حفل يأخذ الإعلام دوره فيه .
 فهل ستترك المنظمة فرصة لكي تشعر العاملين أنها فخورة بولائهم لها بعد ذلك كله ؟
إن المنظمات الناجحة هي من تحتاط للمحافظة على هذا النجاح بتحري ما تقدمه المنظمات المماثلة لها للعاملين ، فتستثمر ذلك للمحافظة على عامليها هي وتزيد من إمكانيات الحوافز المادية والمعنوية والتي هي متأكدة أنها ستعمل على زيادة مستوى نسبة التحصين بإتجاه المغريات التنافسية التي يستخدمها الآخرون .
أما عندما ترغب المنظمة بأن تحقق الولاء في العاملين دون أن تشهد كفاءة منهم أو مهارة فهذا كمن يجمع الماء في غربال ، فما يفيد ولاء هذا النوع من العاملين إلا خسارة في الوقت والجهد ، فإن الجهد من كل العاملين الذين يدعون الولاء للعمل دون أن يقدموا أثراً ملموساً مادياً في الأداء محققين فيه هدفاً للمنظمة أو دافعين فيه عجلة التطوير للعمل إلى أمام ، فإنه سيكون مجرد هواء في شبك ، لا يمتلك بقاءاً ولا إنتماءاً ولا ولاءاً ، فهم لا يرتبطون بالمنظمة بأسس صلبة لذا فهم يغيرون أمكنة عملهم ولا يبقون في إحداها لفترة طويلة ، وإن أردنا الحالة المنطقية فإن الدور مشترك بين الطرفين لتحقيق الولاء للمنظمة ، لترى فيما بعد أن الموظف الكفوء هو من يكن الولاء لعمله مثلما يكنه لعائلته وبيته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق