الأحد، 24 مايو، 2015

عوامل العولمة المالية



تعريف العولمة:
إن العولمة تنطوي على مفهوم ديناميكي يتحرك ويتشكل مع التغي ا رت العالمية التي تحدث حتى أن السنوات
القليلة وخاصة مع منتصف التسعينات من القرن العشرين التي طبقت فيها العولمة أبرزت الحاجة الى
17 مقرر الأسواق المالية
البحث في مفهوم العولمة أكثر وضوحا وأكثر عدالة وهذا ما يسعى إليه الجميع مع بداية الألفية الثالثة التي
بدأت في سنواتها الأولى .
ورغم كل ذلك طرح أهم التعريفات التي وردت للعولمة في محاولة لتعميق الأبعاد المختلفة لهذا المفهوم ٬
بل ومحاولة الخروج بتعريف مناسب يخدم التحليل الخاص بهذا التقرير حيث يمكن رصد التعريفات التالية:
-1 أن العولمة هي عملية تعميق مبدأ الاعتماد المتبادل بين الفاعلين في الاقتصاد العالمي بحيث ت زداد
نسبة المشاركة في التبادل الدولي والعلاقات الاقتصادية الدولية لهؤلاء من حيث المستوى والحجم والوزن
في مجالات متعددة وأهمها السلع والخدمات وعناصر الإنتاج بحيث تنمو عملية التبادل التجاري الدولي
لتشكل نسبة هامة من النشاط الاقتصادي الكلي وتكون أشكالا جديدة للعلاقات الاقتصادية الدولية في
الاقتصاد العالمي ٬ يتعاظم دورها بالمقارنة مع النشاط الاقتصادي على الصعيد المحلي .
ولعل من الواضح أن هذا التعريف للعولمة يركز على أنها عملية قائمة على تعميق الاعتماد المتبادل
وتحول الاقتصاد العالمي إلى سوق واحدة تزداد فيه نسبة المشاركة في التجارة العالمية على أساس إعادة
النظر في مبدأ التخصص وتقسيم العمل الدولي والوصول إلى نمط جديد للتخصص وتقسيم العمل الدولي ٬
والفاعلون هنا ليس فقط الدول والتكتلات الاقتصادية بل بالدرجة الأولى الشركات متعددة الجنسيات حيث
تتم حوالي 40 % من التجارة الدولية عبر تلك الكيانات العملاقة المتحدية القوميات .
-2 تعريف صندوق النقد الدولي الذي يرى أن العولمة الاقتصادية تتمثل في زيادة الاعتماد الاقتصادي
المتبادل بين الدول مع تنوع وتكامل المعاملات التي تتم عبر الحدود ٬ كما أنها نصف العمليات التي من
خلالها تؤدي الق ا ر ا رت والأحداث والأنشطة التي تحدث في أحد أج ا زء العالم إلى نتائج مهمة للأف ا رد
والمجتمعات في بقية أج ا زء العالم .
يتضح أن صندوق النقد الدولي يركز على مبدأ الاعتماد المتبادل بين الدول الذي يعتبر الأساس المحرك
للنشاط الاقتصادي نحو بلورة العولمة على جميع المستويات والعمليات .
أن العولمة هي تحول العالم بفضل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية وانخفاض تكاليف النقل وحرية . 3
التجارة الدولية إلى سوق واحدة ٬ الأمر الذي أدى إلى منافسة أشد وطأة وأكثر شمولية ليس فقط في سوق
السلع بل في سوق العمل و أ رس المال أيضا .
18 مقرر الأسواق المالية
يشير هذا التعريف إلى أن العولمة هي ناتج كل من الثورة التكنولوجية والمعلوماتية وانخفاض تكاليف النقل
وتحرير التجارة الدولية مع تطبيق اتفاقية الجات من خلال منظمة التجارة العالمية ٬ كما يبين أن العولمة
الاقتصادية تنطوي على عدة أنواع أهمها العولمة الإنتاجية والعولمة المالية .
وأخي ا ر تجدر الإشارة إلى وجود العديد من التعريفات الأخرى لمفهوم العولمة والتي لا يسعنا ذكرها في هذا
التقرير ٬ ولكن يمكننا النظر من خلال النظر الشمولي على جميع التعريفات التي وردت بهذا الخصوص
أن نعرف العولمة بأنها لا تخرج عن كونها السمة الرئيسية التي يتسم بها النظام الاقتصادي العالمي الجديد
الذي بدأ يتشكل في العقد الأخير من القرن العشرين والقائم على ت ا زيد درجة الاعتماد المتبادل بفعل
اتفاقيات تحرير التجارة العالمية والتحول لآليات السوق وتعميق الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي حولت
العالم إلى قرية عالمية متنافسة الأط ا رف تختفي فيها الحدود السياسية للدول القومية ويتفق في إطارها
الفاعلون الرئيسيون من دول وتكتلات اقتصادية ومنظمات دولية وشركات متعددة الجنسيات على قواعد
السلوك لخلق أنماط جديدة من تقسيم العمل الدولي وتكوين أشكالا جديدة للعلاقات الاقتصادية العالمية بين
الأط ا رف الرئيسية المكونة له والذي يعتبر في هذه الحالة الوحدة الاقتصادية الأساسية بكل ما فيها من
متناقضات .
العولمة المالية :
تعتبر العولمة المالية هي الناتج الأساسي لعمليات التحرير المالي والتحول إلى ما يسمى بالانفتاح المالي
مما أدى إلى تكامل وارتباط الأسواق المالية المحلية بالعالم الخارجي من خلال إلغاء القيود على حركة
رؤوس الأموال ومن ثم أخذت تتدفق عبر الحدود لتصب في أسواق المال العالمية بحيث أصبحت أسواق
أ رس المال أكثر ارتباطا وتكاملا .
ويمكن الاستدلال على العولمة المالية بمؤشرين هما :
مؤشر خاص بتطور حجم المعاملات عبر الحدود في الأسهم والسندات في الدول الصناعية المتقدمة . 1
حيث تشير البيانات إلى أن المعاملات الخارجية في الأسهم والسندات كانت تمثل أقل من 10 % من
الناتج المحلي الإجمالي في هذه الدول في عام 1980 بينما وصلت إلى ما يزيد عن 100 % في كلا من
19 مقرر الأسواق المالية
الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا عام 1996 وإلى ما يزيد عن 200 % في فرنسا وإيطاليا وكندا في نفس
العام .
مؤشر خاص بتطور تداول النقد الأجنبي على الصعيد العالمي فإن الإحصاءات تشير إلى أن . 2
متوسط حجم التعامل اليومي في أسواق الصرف الأجنبي قد ارتفعت من 200 مليار دولار أمريكي في
منتصف الثمانينيات إلى حوالي 1,2 تريليون دولار أمريكي في عام 1995 وهو ما يزيد عن 84 % من
الاحتياطات الدولية لجميع بلدان العالم في نفس العام .
وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من ت ا زيد درجة تكامل الأسواق المالية فإنها لم تصل بعد إلى درجة
التكامل في الأسواق السلعية أي أن العولمة المالية لا ا زلت في درجة أقل من العولمة الإنتاجية أو عولمة
الإنتاج .
ومن ناحية أخرى يلاحظ أن جوهر عولمة الأسواق المالية هو تحرير حساب أ رس المال ويقصد بذلك إلغاء
الحظر على المعاملات في حساب أ رس المال والحسابات المالية لمي ا زن المدفوعات والتي تشمل المعاملات
المتعلقة بمختلف أشكال أ رس المال مثل الديون وأسهم المحافظ المالية والاستثمار المباشر والعقاري
والثروات الشخصية وتحرير حساب أ رس المال ٬ ومن ثم قابلية حساب أ رس المال للتحويل ٬ ترتبط بإلغاء
القيود على معاملات النقد الأجنبي والضوابط الأخرى المرتبطة بهذه المعاملات .
وتفصيلا فإن العولمة المالية تتضمن تحرير المعاملات التالية :
المعاملات المتعلقة بالاستثمار في سوق الأو ا رق المالية مثل الأسهم والسندات والأو ا رق الاستثمارية . 1
والمشتقات .
المعاملات المتعلقة بأصول الثروة العقارية ٬أي المعاملات الخاصة بش ا رء أو بيع العقا ا رت التي تتم . 2
محليا بواسطة غير مقيمين أو ش ا رء العقا ا رت في الخارج بواسطة مقيمين .
المعاملات الخاصة بالائتمان التجاري والمالي والضمانات والكفالات والتسهيلات المالية التي تشمل . 3
التدفقات للداخل أو على التدفقات للخارج .
المعاملات المتعلقة بالبنوك التجارية ٬ وهي تشمل الودائع المقيمة وعلى اقت ا رض البنوك من الخارج . 4
التي تمثل تدفقات للداخل وعلى القروض والودائع الأجنبية التي تمثل تدفقات للخارج .
20 مقرر الأسواق المالية
المعاملات المتعلقة بتحركات رؤوس الأموال الشخصية وتمثل المعاملات الخاصة بالودائع أو . 5
القروض أو الهدايا أو المنح أو المي ا رث أو التركات أو تسوية الديون .
-6 المعاملات المتعلقة بالاستثمار الأجنبي المباشر وهي تشمل التحرر من القيود المفروضة على
الاستثمار المباشر الوارد للداخل أو المتجه للخارج أو على تصفية الاستثمار وتحويلات الأرباح عبر
الحدود .
ويشير خب ا رء صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص إلى قضيتين هامتين :
الأولى : أنه من الأفضل البدء في تحرير التدفقات طويلة الأجل قبل التدفقات قصيرة الأجل وتحرير
الاستثمار الأجنبي المباشر قبل تحرير استثمار الحافظة المالية أو الاستثمار غير المباشر .
الثانية : أن التحرير الشامل لمعاملات وتحويلات أ رس المال لا يعني التخلي عن كل القواعد والنظم
المطبقة على معاملات العملة الأجنبية ٬ بل ربما احتاج الأمر إلى تقوية القواعد المنظمة التحوطية
المتعلقة بمعاملات وتحويلات العملة الأجنبية التي يجريها غير المقيمين .
العوامل المؤدية إلى العولمة المالية :
وتتلخص هذه العوامل فيما يلي :
إعادة هيكلة صناعة الخدمات : . 1
فقد حدثت تغي ا رت كبيرة في صناعة الخدمات المالية وبالتالي ا زدت عمليات إعادة هيكلة تلك الصناعة مما
أدى إلى العولمة المالية فقد حدث تغير ملموس وواضح في الأعمال المصرفية والأنشطة المصرفية بل
توسعت دائرة الأعمال المصرفية سواء محليا أو عالميا بدرجة لم يسبق لها مثيل وخاصة بعد التحرير وإلغاء
القيود في ضوء عمليات التحرير المالي التي حدثت على الأقل في العقد الأخير من القرن الماضي أي
القرن الحادي والعشرين ٬ وكان نتيجة ذلك كله زيادة أرباح البنوك عن ما يسمى بالعمليات خارج المي ا زنية
وليس من فروق أسعار الفائدة وخاصة مع التوسع في الاتجاه نحو البنوك الشاملة وزيادة أرباح التعامل مع
السندات وعمليات إدارة الأصول وغيرها .
ومن ناحية أخرى لوحظ أن نصيب الودائع من إجمالي الخصوم في البنوك قد بدأت في الانخفاض و ا زدت
الخصوم القابلة للمتاجرة في نصيبها النسبي واتجاه نصيب القروض للتناقص من إجمالي أصول البنوك
21 مقرر الأسواق المالية
نتيجة لت ا زيد النصيب النسبي للأصول الأخرى ٬ وتنعكس كل هذه المتغي ا رت في مي ا زنيات البنوك الدولية
النشاط وليست البنوك المحلية مما يؤدي إلى تعميق العولمة المالية .
ويلاحظ من ناحية أخرى أن عملية إعادة هيكلة صناعة الخدمات المصرفية أدت إلى دخول المؤسسات
المالية غير المصرفية مثل شركات التأمين وصناديق المعاشات وصناديق الاستثما ا رت كمنافس قوي للبنوك
التجارية في مجال الخدمات المالية ٬ وهو ما يؤدي إلى ت ا رجع دور البنوك في مجال الوساطة المالية ٬
وبالإضافة إلى ذلك فإنه يلاحظ أن إعادة هيكلة الصناعة المصرفية والمالية قد أدت إلى ظهور عمليات
اندماج مصرفي واسعة واستحواذ نظ ا ر لت ا زيد المنافسة والبحث في محاولة توسيع السوق المصرفية والمالية
والعالمية وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ت ا زيد الاتجاه نحو العولمة المالية .
تأثير التحرير المالي : . 2
إن حدوث عمليات تحرير مالي مت ا زيدة على المستوى المحلي وكذلك على المستوى الدولي في نفس الوقت
تقريبا أدى إلى زيادة تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود ٬ ومع زيادة حرية تحويل العملة بأسعار الصرف
السائدة ومع تسارع عمليات التحرير المالي تسارعت عولمة الأسواق المالية والعولمة المالية وخاصة مع
ربط ذلك بتحسين مناخ الاستثمار في الكثير من الدول والسعي إلى جذب المزيد من الاستثما ا رت من خلال
الأسواق المالية وغيرها .
وجود فائض نسبي مت ا زيد لرؤوس الأموال : . 3
حيث أصبح هناك أحجاما مت ا زيدة من المدخ ا رت والفوائض المالية على مستوى الأسواق المحلية في الكثير
من الدول حيث عجزت تلك الأسواق عن استيعابها وبالتالي اتجهت تلك الفوائض للبحث عن فرص أفضل
للاستثمار في أسواق المال الخارجية نظ ا ر لزيادة العائد ٬ وهو ما أدى إلى ت ا زيد الاتجاه نحو العولمة
المالية.
ومن ناحية أخرى أدى الانخفاض الذي ط أ ر على أسعار الفائدة وتباطؤ النمو في الدول المتقدمة إلى خروج
أ رس المال منها ليبحث عن معدلات عائد أعلى في الدول الأخرى .
ت ا زيد الابتكا ا رت المالية : . 4
22 مقرر الأسواق المالية
حيث بدأ يظهر كم هائل من الأدوات المالية الجديدة التي جذبت كثي ا ر من المستثمرين وهو ما أدى إلى نمو
العولمة المالية ٬ فالمشتقات والمبادلات والمستقبليات والخيا ا رت كلا تتطور بسرعة وتعمق العولمة المالية
حيث أتاحت هذه الابتكا ا رت المالية مساحة كبيرة وواسعة من الاختيار أم المستثم رين في مجال اتخاذ
ق ا ر ا رتهم الاستثمارية .
النمو الكبير لل أ رسمالية المالية : . 5
حيث أدى هذا النمو الكبير لل أ رسمالية إلى أن أصبحت معدلات الربح التي تحققها قطاعات الإنتاج الحقيقي
( الز ا رعة والصناعة ) أقل بكثير من معدلات الربح التي يحققها أ رس المال المالي وقد أدى ذلك إلى أن
تصبح الثروة المالية مستقيلة إلى حد بعيد عن الثروة العينية ٬ وهو ما يعني انفصال دائرة العلاقات النقدية
عن الدائرة الحقيقية للاقتصاد الوطني فمع صعود ال أ رسمالية أصبح هناك انفصال بين أسواق أ رس المال
وتكوين أ رس المال الثابت بعد أن أصبحت الأدوات المالية المتداولة في هذه الأسواق سلع في حد ذاتها
تتميز بعوامل مستقلة تحدد عرضها والطلب عليها وهكذا يزيد الاتجاه نحو العولمة المالية .
نمو سوق السندات : . 6
حيث لوحظ أن جزء كبير من عمليات تسارع عولمة الأسواق المالية يعود إلى النمو الكبير الذي حدث في
إصدا ا رت السندات وتداولها في تلك الأسواق وعلى سبيل التحديد السندات الحكومية التي تغير جوهر سوق
السندات عموما ٬ فقد ا زد حجم السندات المتداولة في نهاية عقد التسعينات من القرن العشرين لما يربو
على 1 تريليون دولار أمريكي ولاشك أن ذلك يرجع لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها في هذا التقرير .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق