الأحد، 10 مايو، 2015

النشاط الطفيلي




النشاط الطفيلي

يجري تعريف " النشاط الطفيلي " على أنه " نشاط ناقل للثروة ومجاله الاساسي التبادل.... فهو نشاط غير منتج للثروة أو القيمة، وممارسته تتم في المقام الاول خارج الانتاج " [5]. إن مصطلح " الأنشطة الطفيلية " يعد مفهوما أعم وأوسع، ويغطي عددا من الأنشطة الاقتصاديات والممارسات الاجتماعية التي ينخرط فيها أقسام واسعة من الناس على اختلاف مواقعهم الاجتماعية.

أما " الدخول الطفيلية " فتعرف على أنها تلك الدخول التي تتولد " .... من اعمال وساطة في معاملات يكون طرفها القطاع العام من جانب والقطاع الخاص من جانب آخر، فقد يكون طرفها الأخر مؤسسة أجنبية في الخارج تتعامل مع القطاع عن طريق هذه الوساطة ..... وقد تنشأ هذه الدخول عن اعمال (مقاولات الباطن) التي يعهد بها القطاع العام الى القطاع الخاص " [6].

وحين يجري الحديث عن " الرأسمالية الطفيلية " فيجب تركيز الانتباه وبذل جهود أكبر لجهة تمحيص واختيار هذا المفهوم وماذا يقصد به تحديدا. ويجري التساؤل حول هل برزت فئة رأسمالية جديدة ومتميزة عن كافة الفئات والشرائح الرأسمالية التقليدية المتعارف عليها بالتصنيفات الطبقية (رأسمالية زراعية، رأسمالية تجارية، رأسمالية صناعية .... الخ) أم أن مصطلح " الرأسمالية الطفيلية " هو تسمية جديدة لفئات رأسمالية قديمة نعرفها جيدا ونتعايش معها منذ فترة غير وجيزة.

وإذا تم توصيف " الرأسمالية الطفيلية " على أنها فئة لها خصائصها التكوينية والتشريحية المتميزة، يبرز على الفور سؤال اخر : هل هذه الفئة (الرأسمالية الطفيلية)هي الفئة المسيطرة (أو المهيمنة) على الاقتصاد والمجتمع أم لا ؟، إذ كما تشير التجربة فقد توجد وتتبلور في المجتمع فئات " رأسمالية طفيلية " يمكن رؤيتها بالعين المجردة، دون حاجة لمجهر، ولكن قد تظل فئات هامشية (غير مركزية) في تبيان مجمل التشكيل الاجتماعي القائم. عندها ينطرح تساؤل أخر : أين توجد " الرأسمالية الطفيلية " بالدقة ؟ هل هي تقع خارج " العملية الانتاجية " ؟ وما هي حدود هذه العملية ؟

في مسعى الاجابة عن هذه الأسئلة يمكن القول إن المجال الرئيس لنشاط " الرأسمالية الطفيلية " يكمن في مجال التداول وليس في مجال الانتاج وخلق القيم. إن الأنشطة والدخول الطفيلية لا ترتبط بالعملية الانتاجية، وإنما ترتبط بعمليات الوساطة والتوزيع والتداول. ويعني ذلك أن الارباح التي تجنيها " البرجوازية الطفيلية " ناتجة عن نشاط لا يضيف شيئاً الى الانتاج، ويجب أن لا نخلط بين هذه وبين التجارة. التجارة هي القيام بوظيفة محددة، ولكن هناك أنشطة طفيلية بمعنى أنها لا تضيف شيئا الى عملية الانتاج والتوزيع ولا تقوم بأي وظيفة اقتصادية [7]. وهذا يستحث بدوره ضرورة تعريف " العمل المنتج " و " العمل غير المنتج " من وجهة نظر تطور المجتمع والجماعة في لحظة تاريخية من تطورها، وقد قمت بتناول هذه الاشكالية بشكل تفصيلي في عمل أخر [8] وبالتالي لن ندخل في تفاصيل ذلك.

يتخذ رأس المال العامل في المجالات التي تنشط فيها الرأسمالية الطفيلية سمات محددة، ويقوم على استغلال النفوذ والفساد، وإستخدام قوى " غير اقتصادية " في التعامل وتحقيق الدخول والارباح الطائلة، ويهيمن عليه طابع المضاربة الواسعة. ويلاحظ أن هناك درجة عالية من السيولة في حركة رأس المال التجاري والمضارباتي، إذ ينتقل أصحاب رؤوس الاموال الطفيلية من نشاط الى اخر بسرعة شديدة سعيا، وراء أعلى ربح ممكن وأعلى معدل سرعة لدورة رأس المال، وهنا ظهر مصطلح " الارانب " في مصر للتدليل على هذا الثراء السريع لاعضاء هذه المجموعات والذي تنامي بمتوالية هندسية ! . وثمة ظاهرة متميزة يجب ابرازها وهي " السيولة البالغة " التي تنتقل بها بعض العناصر من مراتب " البروليتاريا الرثة " الى مراتب الرأسمالية الطفيلية. ويلاحظ كذلك أن الدخول والثروات الطفيلية لا تتولد عادة من خلال الاساليب " المألوفة " في المجتمعات المتقدمة، بل هي تقوم على عمليات للنهب والاغتصاب المنظم الذي تقوم به عناصر ومجموعات منظمة هي أشبه ما تكون بعناصر المافيا التقليدية.

وهكذا يمكن الاستنتاج بأن الفئات الرأسمالية الطفيلية يمكن أن تكون حلقة وصل بين أقسام مهمة من رأس المال الدولي في الخارج، وبين عمليات تفكيك وتصفية ركائز العمليات الانتاجية وانتشار الفساد الاقتصادي الواسع وقيم السلب والنهب في الداخل. ومن جهة أخرى يتعين التأكيد على أن الطفيلية ليست ظاهرة قاصرة على القطاع الخاص أو النشاط الخاص، بل إنها تمتد الى القطاع الاقتصادي للدولة، ويعني ذلك أن الطفيلية مرتبطة بالشرائح المختلفة للبرجوازية. كما يمكن الحديث عن نمو " الطفيلية " من خلال القطاع العسكري، وخاصة في البلدان التي تتمتع بموارد اقتصادية كبيرة وتجنح نحو بناء قدرات عسكرية " غير عادية " !. ولهذا يجري التأكيد على أن ثمة برجوازية طفيلية، وهذا لا يشمل كل البرجوازية. كما أنه ليس حكما اخلاقيا، بل إنه نابع من التأمل العميق في طبيعة الفئات، التي بدأت خلال السنوات الاخيرة تحتل " مواقع ريادية " في هرمية التشكيل الاجتماعي، ولكن خاصيتها الأساسية ليس المساهمة في تحقيق التراكم الرأسمالي المطلوب وبالتالي تقدم المجتمع، بل إنها، ببساطة، تعيش عالة عليه وتمتص ثرواته وتستنزف قواه الانتاجية.










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق